الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

268

مختصر الامثل

وفيما كان يعبد اللَّه في محرابه ، نادته ملائكة اللَّه وقالت له : إنّ اللَّه يبشّرك بمولود اسمه يحيى بل إنّهم لم يكتفوا بهذه البشارة حتى ذكروا للمولود خمس صفات : الأوّلًا : سوف يؤمن بالمسيح ويشدّ أزره بهذا الإيمان : « مُصَدّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ » . ثانياً وثالثاً : سيكون من حيث العلم والعمل قائداً للناس « وَسَيّدًا » . كما أنّه سيحفظ نفسه عن الشهوات الجامحة وعن التلوّث بحبّ الدنيا « وَحَصُورًا » . « الحصور » من الحصر ، أي الذي يضع نفسه موضع المحاصرة . ورابعاً وخامساً : من مميّزاته أيضاً أنّه سيكون « نَبِيًّا » وأنّه « مّنَ الصَّالِحِينَ » . فلما سمع زكريا بهذه البشارة غرق فرحاً وسروراً ، ولم يمتلك نفسه في إخفاء تعجبه من ذلك فقال : « رَبّ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِى عَاقِرٌ » . فأجابه اللَّه تعالى : « قَالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ » . فلما سمع زكريا هذا الجواب الموجز الذي يشير إلى نفوذ إرادته تعالى ومشيئته ، قنع بذلك . قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَنْ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ( 41 ) هنا يطلب زكريا من اللَّه إمارة على بشارته بمجيء يحيى ، إنّ إظهار دهشته - كما قلنا - وكذلك طلب علامة من اللَّه ، لا يعنيان أبداً أنّه لا يثق بوعد اللَّه ، خاصة وأنّ ذلك الوعد قد توكّد بقوله : « كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ » . إنّما كان يريد زكريا أن يتحوّل إيمانه بهذا إيماناً شهودياً ، كان يريد أن يمتليء قلبه بالاطمئنان ، كما كان إبراهيم يبحث عن اطمئنان القلب والهدوء الناشئين عن الشهود الحسي . « قَالَ رَبّ اجْعَل لِى ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلّمَ النَّاسَ ثَلثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا » . أجاب اللَّه طلب زكريا هذا أيضاً ، وعيّن له علامة ، وهي أنّ لسانه كفّ عن الكلام مدة ثلاثة أيام بغير أيّ نقص طبيعي ، فلم يكن قادراً على المحادثة العادية ، ولكن لسانه كان ينطلق إذا ما شرع يسبّح اللَّه ويذكره ، هذه الحالة العجيبة كانت علامة على قدرة اللَّه على كل شيء ، فاللَّه القادر على فكّ لجام اللسان عند المباشرة بذكره ، قادر على أن يفكّ عقم رحم امرأة فيخرج منه ولداً مؤمناً هو مظهر ذكر اللَّه ، وهكذا تتّضح العلاقة بين هذه العلامة وما كان يريده زكريا .